أبي منصور الماتريدي
555
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وابتلى بإسكان ذريته الوادي ، الذي لا ماء فيه ، ولا زرع ، ولا غرس . وابتلى بالهجرة من عندهم ، وتركهم هنالك - وهم صغار - ولا ماء معهم ، ولا زرع ، ولا غرس . وابتلى بالهجرة إلى الشام . وابتلى بذبح ولده . ابتلى بأشياء لم يبتل أحد من الأنبياء بمثله ، فصبر على ذلك . ففي مثل هذا يكون وجه الحكمة . وفيه لغة أخرى : وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ بالرفع رَبُّهُ بنصب الباء « 1 » . ومعناه - والله أعلم - : أنه سأل ربه بكلمات فأعطاهن . وهو تأويل مقاتل . وهو أن قال : اجعلني للناس إماما . قال : نعم . قال : وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ، قال : نعم قال : وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ، قال : نعم . قال : و اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً . قال : نعم . قال : وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ . قال : نعم . مثل هذا : سأل ربه هذا فأعطاهن إياه . وقوله : قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً . يحتمل : جعله رسولا يقتدى به ؛ لأن أهل الأديان - مع اختلافهم - يدينون به ، ويقرون نبوته . ويحتمل : إماما من الإمامة والخلافة . وقوله : قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ . فإن قيل : كيف كان قوله : لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ جوابا لقوله : وَمِنْ ذُرِّيَّتِي وكانت الرسالة في ذريته ؛ كقوله : وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ [ الزخرف : 28 ] ؟ يحتمل قوله : وَمِنْ ذُرِّيَّتِي : أحب أن تكون الرسالة تدوم في ذريته أبدا ؛ حتى لا تكون بين الرسل فترات ؛ فأخبر أن في ذريته من هو ظالم ، فلا ينال الظالم عهده . ويحتمل : أن يكون سؤاله جعل الرسالة في أولاد إسماعيل ؛ لأن العرب من أولاد إسماعيل - عليه السلام - فأخبر أن في أولاده من هو ظالم ؛ فلا يناله . والعهد : ما ذكرنا ، هو الرسالة والوحي .
--> ( 1 ) ينظر : اللباب في علوم الكتاب ( 2 / 445 ) .